الآلوسي
29
تفسير الآلوسي
والظاهر أن مبنى الجوار على العرف ، وعن الحسن كما في الأدب أنه سئل عن الجار فقال : أربعين داراً أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره ، وروي مثله عن الزهري . وقيل : أربعين ذراعاً ، ويبدأ بالأقرب فالأقرب ، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك باباً ، وقرئ - والجار ذا القربى - بالنصب أي وأخص الجار ، وفي ذلك تنبيه على عظم حق الجار . وقد أخرج الشيخان عن أبي شريح الخزاعي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره " وفيما سمعه عبد الله كفاية ، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها . * ( والصَّاحب بالْجَنب ) * هو الرفيق في السفر أو المنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك ، وكلا القولين عن ابن عباس ، وقيل : الرفق في أمر حسن - كتعلم وتصرف وصناعة وسفر - وعدوا من ذلك من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس وغير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، واستحسن جماعة هذا القيل لما فيه من العموم . وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه - الصاحب - بالجنب - المرأة ، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الصاحب ، والعامل فيه الفعل المقدر * ( وابْنَ السَّبيل ) * وهو المسافر أو الضيف . * ( وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) * قال مقاتل : من عبيدكم وإمائكم ، وكان كثيراً ما يوصي بهم صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال : " كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه " ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوت المراتب حسبما يليق بكل وينبغي * ( إنَّ اللَّهَ لاَ يُحبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً ) * أي ذا خيلاء وكبر يأنف من أقاربه وجيرانه مثلاً ولا يلتفت إليهم * ( فَخُوراً ) * يعد مناقبه عليهم تطاولاً وتعاظماً ، والجملة تعليل للأمر السابق . أخرج الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال : " كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية * ( إن الله ) * الخ فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك ؟ فقال : يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال : فأنت من أهل الجنة إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس " والأخبار في هذا الباب كثيرة . . * ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ) * . * ( الَّذينَ يَبخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بالْبُخْل ) * فيه أوجه من الإعراب : الأول : أن يكون بدلاً من مَن بدل كل من كل ، الثاني : أن يكون صفة لها بناءاً على رأي من يجوز وقوع الموصول موصوفاً ، والزجاج يقول به ، الثالث : أن يكون نصباً على الذم ، الرابع : أن يكون رفعاً عليه ، الخامس : أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين ، السادس : أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي مبغوضون ، أو أحقاء بكل ملامة ونحو ذلك - مما يؤخذ من السياق - وإنما حذف لتذهب نفس السامع كل مذهب ، وتقديره بعد تمام الصلة أولى ، السابع : أن يكون كما قال أبو البقاء : مبتدأ * ( والذين ) * ( النساء : 38 ) الآتي معطوفاً عليه ، والخبر * ( إن الله لا يظلم ) * ( النساء : 40 ) على معنى لا يظلمهم وهو بعيد جداً . وفرق الطيبي بين كونه خبراً ومبتدأ بأنه على الأول : متصل بما قبله لأن هذا من جنس أوصافهم التي عرفوا بها ، وعلى الثاني : منقطع جيء به لبيان أحوالهم ، وذكر أن الوجه الاتصال وأطال الكلام عليه ، وفي البخل أربع لغات : فتح الخاء والباء - وبها قرأ حمزة والكسائي - وضمهما - وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر